عثمان بن جني ( ابن جني )
58
الخصائص
هذا باب القول على الفصل بين الكلام والقول ولنقدّم أمام القول على فرق بينهما " 1 " ، طرفا من ذكر أحوال تصاريفهما ، واشتقاقهما ، مع تقلب حروفهما ؛ فإن هذا موضع يتجاوز قدر الاشتقاق ، ويعلوه إلى ما فوقه . وستراه فتجده طريقا غريبا ، ومسلكا من هذه اللغة الشريفة عجيبا . فأقول : إنّ معنى " ق ول " أين وجدت ، وكيف تصرّفت " 2 " ، من تقدّم بعض حروفها على بعض ، وتأخّره عنه ، إنما هو للخفوف " 3 " والحركة . وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها ، لم يهمل شيء منها . وهي : " ق ول " ، " ق ل و " ، " وق ل " ،
--> ( 1 ) في نسخة : " الفرق بينهما " ، وما في سائر النسخ أولى ؛ لأمور : الأول : كثرة النسخ التي فيها : " فرق بينهما " ، وتفرّد النسخة التي فيها : " الفرق بينهما " . الثاني : أن قوله : " فرق بينهما " تقرأ بإضافة " فرق " إلى " بينهما " والبين " هنا : الوصل والاجتماع ؛ إذ البين - في لغة العرب - من الأضداد ، وهو ظرف متصرّف ، يقع ظرفا وغير ظرف ، وقد قرأ أكثر السبعة - ابن كثير وأبو عمرو وغيرهما - : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ الأنعام : 94 ] برفع " بينكم " . وبإضافة " فرق " إلى " بينهما " في قول ابن جنى : يتحقق السجع مع قوله : " أحوال تصاريفهما " بالإضافة أيضا لانكسار الهاء فيهما ، لانكسار ما قبلها ، وهذا يفوت بما في النسخة الفردة : " الفرق بينهما " ، واعتبار السجع وتوافق الفواصل في كلام أهل العلم - مراعى ومقصود ، وليس لنا ألا نعتبره . الثالث : أن ما في أكثر النسخ : " فرق بينهما " أوفق بعبارات ابن جنى ، ونسق أسلوبه ، وإنك لواجده ، ويحمل ما تشابه من كلام المؤلفين في موضع على ما اطرد وأحكم منه في موضع آخر ، فاعتبر ذلك هنا . ( 2 ) في بعض النسخ : " وقعت " . ( 3 ) كذا في النسخ ، ولو قال : " إنما هو الخفوف " لكان يشبه أن يكون أقرب ، وهو من قولهم : خف القوم خفوفا : إذا ارتحلوا مسرعين . والظاهر : أن ابن جنى حاول بهذا تأكيد اختصاص معنى " ق ول " بالخفوف والحركة ، وإنما يتأتى تأكيد الاختصاص هنا بأداتين له ، هما : " إنّما " ، و " لام الاختصاص " في قوله : " للخفوف " . وكون اللام للاختصاص مما ذكر النحاة في كتبهم ، ومثلوا له بمثل قولهم : اللجام للفرس " . فإن يكن ابن جنى حاول هذا المعنى ، فقد جاء لفظه مطابقا لما حاول منه ويكون - حينئذ - أنسب بالسياق ، وأوفق له .